السيد حيدر الآملي

529

تفسير المحيط الأعظم والبحر الخظم في تأويل كتاب الله العزيز المحكم

وما الوجه إلَّا واحد غير أنّه إذا أنت أعددت المرايا تعدّدوا وهذا البيت ناطق بجميع الأسرار التّوحيديّة لكن لا يعرفها إلَّا أهلها وليس الغرض هاهنا هذا البحث ، بل بحث الوجود والعدم والنور ( و ) الظَّلمة وكيفيّة ظهور الحقّ بصور المظاهر الآفاقيّة والأنفسيّة ، وبيان ذلك لا يتيسّر إلَّا بعد تحقيق النّور والظَّلمة والوجود والعدم عقلا ونقلا . أمّا عقلا ، فالَّذي ذكره الغزالي في مشكاة الأنوار وهو قوله ( 340 ) : لا ظلمة أشدّ من كتم العدم ، لأنّ المظلم يسمّى مظلما لأنّه ليس للإبصار إليه وصولا إذ ليس يصير موجودا للبصر مع أنّه موجود في نفسه ، والَّذي ليس موجودا لا لغيره ولا لنفسه كيف لا يستحقّ أن يكون هو الغاية في الظلمة ففي مقابلته الوجود فهو النور لأنّ الشيء ما لم يظهر في ذاته لا يظهر لغيره . وقال عقيبه : والوجود أيضا ينقسم إلى ما للشّيء في ( من ) ذاته ، وإلى ماله من غيره ، وماله الوجود من غيره فوجوده مستعار لا قوام له بنفسه بل إذا اعتبرته من حيث ذاته فهو عدم محض وإنّما هو موجود من حيث نسبته إلى غيره وليس ذلك بوجود حقيقيّ ، فالموجود الحقيقي الحقّ هو اللَّه تعالى المسمّى بالنّور والوجود وله الوجود الحقيقيّ دون غيره وإليه أشار بقوله : كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَه ُ لَه ُ الْحُكْمُ وَإِلَيْه ِ تُرْجَعُونَ [ سورة القصص : 88 ] . ويؤيّد ذلك أيضا قوله عقيب الآيات المذكورة في صفة الكفّار : وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمالُهُمْ كَسَرابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُه ُ الظَّمْآنُ ماءً حَتَّى إِذا جاءَه ُ لَمْ يَجِدْه ُ شَيْئاً وَوَجَدَ اللَّه َ عِنْدَه ُ فَوَفَّاه ُ حِسابَه ُ وَاللَّه ُ سَرِيعُ الْحِسابِ [ سورة النور : 39 ] .

--> ( 340 ) قوله : فالَّذي ذكره الغزالي . ذكره في مشكاة الأنوار ، الفصل الأوّل ، ص 46 ، ط القاهرة .